• مسجد قباء

    مسجد قباء هو أول مسجد بناه النبي ﷺ بعد هجرته من مكة إلى المدينة. يقع على بعد حوالي 3.25 كيلومترا من المسجد النبوي . وللقادمين إلى المدينة قبل أم بعد أداء الحج أو العمرة، فإن لزيارة مسجد قباء فضلها الكبير وأجرها العظيم. فهي بمثابة سبيل لاستحضار ذكرى هجرة النبي ﷺ المباركة وجهوده الحثيثة لنشر رسالة الإسلام. علاوة على ذلك، وكما قال النبي ﷺ، فإن أجر الصلاة في المسجد يعدل عمرة.

    فضل مسجد قباء

    أول المساجد

    يتميز مسجد قباء بكونه أول مسجد في تاريخ الإسلام. فقد كان دار العبادة الوحيد للمسلمين قبل بناء المسجد النبوي في المدينة المنورة.

    أجر يعدل عمرة

    كان للنبي ﷺ ارتباطه الخاص بمسجد قباء. فقد كان يزور المسجد كل سبت إما سيرا على الأقدام أو على ظهر بعير، ويصلي فيه ركعتين.

    وأكد على فضل هذا العمل بقوله:

    من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه ركعتين كان كعمرة.1سنن النسائي، كتاب المساجد، الحديث 699. سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، الحديث 1411. مسند أحمد، الحديث 15981.

    وفي رواية أخرى قال:

    مَنْ تَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى مَسْجِدِ قُبَاءٍ لَا يُرِيدُ غَيْرَهُ وَلَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الْغُدُوِّ إِلَّا الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ فَصَلَّى فِيهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الْمُعْتَمِرِ إِلَى بَيْتِ اللهِ، 2المعجم الكبير للطبراني، باب الكاف، الحديث 1022.

    زار أنس بن مالك I ، مولى النبي منذ صغره، مسجد قباء وصلى فيه ركعتين. ثم نقل لأهل المدينة فضل المسجد العظيم، وذكر أنه لو كان على بعد مسيرة شهر منه لكان أهلا للسفر. قال:

    سُبْحَانَ اللّٰهِ مَا أَعْظَمَ حَقَّ هَذَا الْمَسْجِدِ لَوْ كَانَ عَلَى مَسِيرَةِ شَهْرٍ كَانَ أَهْلًا أَنْ يُؤتَى، مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ يُرِيدُهُ مُتَعَمِّدًا إِلَيْهِ لِيُصَلِّيَ فِيهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَقْلَبَهُ اللّٰهُ بِأَجْرِ عُمْرَةٍ. 3تاريخ المدينة لابن شبة، ج1، ص42-43؛ وفاء الوفاء للسمهودي، ج3، ص18

    حب الصحابة لمسجد قباء

    وكان سعد بن أبي وقاص وأبو هريرة L وغيرهما من الصحابة يحبون زيارة مسجد قباء، بل ويعتبرونها أحب إليهم من زيارة المسجد الأقصى في القدس. قال سعد:

    لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إلي من أن أتي بيت المقدس مرتين. 4خلاصة الوفاء بأخبار دار المصطفى للسمهودي، ج2، ص272؛ المستدرك على الصحيحين للحاكم، ج3، ص13.

    وقد وثق المؤرخ المدني الشهير ابن شبة V تعظيم عمر بن الخطاب I لمسجد قباء. فقد زار عمر بن الخطاب، خليفة المسلمين الثاني، المسجد وقام بنفسه بتنظيف جدار القبلة بجريد النخل الأخضر. فكان تعظيمه له كبيرا حتى أنه قال:

    وَاللّٰهِ لَأَنْ أُصَلِّيَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ صَلَاةً وَاحِدَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَرْبَعًا، بَعْدَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ صَلَاةً وَاحِدَةً، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمَسْجِدُ بِأُفُقٍ مِنَ الْآفَاقِ لَضَرَبْنَا إِلَيْهِ آبَاطَ الْإِبِلِ. 5المصنف لعبد الرزاق الصنعاني، كتاب المناسك، الحديث 9141.

    ذكره في القرآن

    جاء القرآن بذكر مسجد قباء في سورة التوبة، بعد أن أقام المنافقون مسجدا مناوئا بالقرب منه.

    وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مَسْجِدًۭا ضِرَارًۭا وَكُفْرًۭا وَتَفْرِيقًۢا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًۭا لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا ٱلْحُسْنَىٰ ۖ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ، لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًۭا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌۭ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ،
    [سورة التوبة، 9: 107-108]

    تشير الآية 107 من سورة التوبة إلى هذا المسجد المناوئ، الذي بُني بنية خبيثة غرضها إحداث الفرقة بين المؤمنين. فلقد أدانه القرآن باعتباره عملا من أعمال الأذى والكفر، ويسعى في النهاية إلى تقويض وحدة المؤمنين. ويرى جمهور من العلماء أن الآية التالية تشير إلى مسجد قباء.

    تاريخ مسجد قباء

    الهجرة النبوية ﷺ

    لتأسيس مسجد قباء صلته الوثيقة بهجرة النبي محمد ﷺ من مكة إلى المدينة المنورة عام 622م. فلما بلغ مشارف المدينة أناخ فيما سيغدو مسجد قباء، وأقام في بني عمرو بن عوف عشرة أيام، نازلا في دار كلثوم بن الهدم I. ثم شرع بعدها ببناء المسجد.

    YouTube video

    البناء

    وقد وضع النبي ﷺ بنفسه الحجارة، وسارع الصحابة للمساهمة معه في هذا العمل العظيم. وكان البناء بسيطا في أساسه لكن عظيما في أهميته، بعماد من الحجارة وسقيفة من جريد النخل.

    وقد بُني هذا المسجد الشريف بروح من الإخلاص، إذ قام النبي ﷺ بنفسه بالمشاركة فيه وإلى جانبه صحابته الكرام. فكانوا يبذلون أنفسهم بحمل الحجارة والصخور والطين للبناء، والنبي ﷺ بنفسه يحمل الأثقال على ظهره. روت الصحابية الشموس بنت النعمان I أنها رأت التراب على ثوب النبي ﷺ وعلى بطنه حتّى وهو لا يألُ جهدا في ذلك. قالت:

    نَظَرْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ، وَنَزَلَ وَأَسَّسَ هَذَا الْمَسْجِدَ، مَسْجِدَ قِبَاءَ، فَرَأَيْتُهُ يَأْخُذُ الْحَجَرَ – أَوِ الصَّخْرَةَ – حَتَّى يَصْهَرَهُ الْحَجَرُ، وَأَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ التُّرَابِ عَلَى بَطْنِهِ وَسُرَّتِهِ، فَيَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَيَقُولُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِنِي أَكْفِكَ، فَيَقُولُ: “لَا خُذْ حَجَرًا مِثْلَهُ”. 6المعجم الكبير للطبراني، ج24، ص318

    صلى النبي ﷺ صلاة الجماعة في مسجد قباء، وكانت قبلته آنذاك المسجد الأقصى في بيت المقدس. إلى أن انصرفت القبلة عندما جاءه جبريل بالوحي إلى مكة المكرمة.

    أمَّ سالم I مولى أبي حذيفة I صلاة المهاجرين الأوائل في مسجد قباء، بمن فيهم خيرة الصحابة مثل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب L . وقد أثنى النبي ﷺ على سالم وعهد إليه بتعليم القرآن، قال: “خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة“.

    الزيادات والتجديدات

    شهد مسجد قباء على مر القرون عديدا من الزيادات والتجديدات. فقد ساهم الأمويون والعثمانيون والسعوديون، عبر مراحل مختلفة من التاريخ، في بديع ما هو عليه المسجد اليوم.

    أولى التجديدات

    كان لثالث الخلفاء الراشدين، عثمان بن عفان I دور في تجديد المسجد وتوسعته، ومثله عمر بن عبد العزيز I والي المدينة المنورة في العهد الأموي، خلال الأعوام 91-93هـ (711-713م). . وضمت مساهمة عمر تشييد المآذن والشرفات، وتنميقه بالفسيفساء والزُّخرف، واستبدال السقيفة التقليدية من فروع الشجر والجريد بالقضبان الحديدية.

    الترميم المستمر

    وفي عام 435هـ (1045م)، أخذ أبو يعلى الحسيني زمام المبادرة بتجديد المسجد. وقام جمال الدين الأصفهاني، كبير وزراء الدولة الزنكية في الموصل، بجهود التجديد في عام 555هـ (1162م) ومن ثم في عام 671هـ (1275م). وساهم الناصر بن قلاوون والي مصر بترميم المسجد عام 733هـ (1335م). وبعده الأشرف برسباي، وهو حاكم مصري آخر، الذي قام بتجديد سقف المسجد عام 840هـ (1439م). وفي عام 877هـ (1475م) وقع الحدث الجلل عندما انهارت مئذنة المسجد، فبادر السلطان قايتباي بإعادة بنائها، وانتهى منها بعد أربع سنوات.

    تجديدات العصر العثماني

    في عهد الإمبراطورية العثمانية، جرت العديد من التجديدات والترميمات على مسجد قباء، كل منها ساهم في رِفْعَتِه. أحد أبرز فترات الترميم كانت في عهد السلطان عبد المجيد.

    التوسعة في عهد الملك فهد

    وفي فترة الحكم السعودي، حظي مسجد قباء بقدر لافت من الاهتمام والتجديد. وفي عام 1405 هـ (1984م)، أمر الملك فهد بتوسعة كبرى في مسجد قباء وذلك لاستيعاب الأعداد المتزايدة من المصلين. فصدرت أوامره بتجديده، مع زيادة كُبرى لمساحته. وقد تركّز الاهتمام على الحفاظ على الأماكن التاريخية من المسجد.

    وأوكلت هذه المهمة لمجموعة بن لادن، التي يديرها أبناء محمد بن لادن المقاول المسؤول عن توسعة المسجد النبوي في عهد الملك عبد العزيز. وقد اكتملت التوسعة في عام 1407هـ (1986م)، وقام الملك فهد بافتتاح المسجد حديث التوسعة.

    وزيدت مساحة المسجد، التي كانت تغطي سابقا 1225 مترا مربعا، إلى 6100 متر مربع، بمساحة مفتوحة تبلغ 4000 متر مربع أمام المسجد. وقد ضمّت التوسعة زيادة ثلاث مآذن أخرى، ليصل مجموعها إلى أربعة مآذن، بالإضافة إلى ستة قباب. علاوة على ذلك، فقد تمت زيادة مساكن للإمام والمؤذن وغيرهم من العاملين على المسجد. والجدير بالذكر أنه تم الحفاظ على التراث المعماري الإسلامي للمسجد بحذافيره خلال هذه التوسعة التي تكلفت أكثر من 90 مليون ريال سعودي.

    كان المسجد في الأصل مزدانا ببساتين وحقول تحيط بجنباته شرقا وجنوبا، إلا أنها أُزيلت لاحقا  في سبيل تسهيل هذه التوسعة.

    مساجد أخرى بجوار مسجد قباء

    تاريخيا، كان مسجد بنات النجار يقع على مقربة من مسجد قباء. وكان لهذا المسجد أهميته تاريخية، فهو المكان الذي استقبلت بنات بني النجار فيه النبي، وهم أخواله لأبيه ﷺ، بالأنشودة الشهيرة “طلع البدر علينا” عند وصوله للمدينة المنورة.

    علاوة على ذلك، فإن مسجد عرفات، المعروف أحيانًا بمسجد العمرة، يقع في قباء. وهو المكان الذي قضى فيه النبي ﷺ يوم عرفة، الذي يسبق يوم العيد، وهو ما يؤكد أهمية هذا المكان في التاريخ الإسلامي.

    معرض الصور

    خريطة

    Add comment